بعد دقائق، وصل عبد القادر. نظر إلى الخروف الساقط، ثم إلى ياسين، ولم يغضب ولم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ كان أشد وقعًا من أي صـ,ـراخ: “هنا… الخطأ له ثمن، وأنت اعتدت أن يدفع غيرك هذا الثمن.” “ما حدث اليوم ليس خطأً عابرًا… بل هو طبع فيك.” تجمّد في مكانه، وكأن الكلمات أصابته دفعة واحدة. سكت عبد القادر لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق: “كما امتدت يدك على أمك… امتدّ إهمالك اليوم ليؤذي ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه.”
ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن اتهامًا بقدر ما كان مرآة وُضعت أمامه فجأة، ليرى نفسه كما هي، دون تبرير أو هروب. وفي تلك اللحظة، أدرك ما كان يتجنّب رؤيته طوال الوقت. وفي مكانٍ آخر، لم تكن أمه تنتظر. في الدار البيضاء بدأت حياة جديدة بهدوء، حياة لا تقوم على الخـ,ـوف أو التبرير. أعادت ترتيب بيتها كما تريد، وتخلّت عن أشياء كثيرة كانت تحتفظ بها من أجله، حتى غرفته لم تعد كما تركها. لم تمحه من قلبها، لكنها توقفت عن الدوران حوله.
وصارت تخرج دون قلق، وتعود دون خـ,ـوف، وتنام دون أن تنتظر صوت الباب كما كانت تفعل كل ليلة. ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بالأمان. مرّت الشهور، وتغيّر شيء في ياسين. لم يعد يصرخ كما كان، ولم يعد يحتج على كل شيء، بل صار يستيقظ قبل الفجر دون أن يُطلب منه، ويسير خلف القطيع بصمت مختلف. لم يكن ذلك الصمت راحة، بل فهمًا جاء متأخرًا، لكنه كان حقيقيًا. في ذلك المكان القاسي، لم يتعلّم ياسين العمل فقط… بل تعلّم أن يكون رجلًا، وأدرك أن إبعاده عن المدينة ورفاق السوء لم يكن عقابًا، بل كان أفضل قرار اتخذه والداه… ليُنقذاه من نفسه.