منوعات

عندما ضـ,ـربنى ابنى

نظر إليه عبد القادر لثوانٍ، ثم أجاب: “الآن.” لم يلتفت ياسين إلى أمه وهو يصعد ليجمع بعض أغراضه، وكأنه يخشى أن يراها… أو أن يرى نفسه في عينيها. أما هي، فبقيت جالسة مكانها. لم تحاول منعه… ولم تنادِ عليه. فقط أغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوتٍ لا يُسمع: “ليحفظك الله ولو بعيدًا عني.” بعد ساعة… كانت السيارة تشق الطريق خارج الدار البيضاء، تاركةً خلفها الزحام والضجيج، متجهةً نحو طرقٍ أطول… وأهدأ… وأكثر قسوة. جلس ياسين في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة دون تركيز.

المدينة تبتعد والصمت يزداد. اختفت المباني ثم الأشجار… ثم أي علامةٍ على الحياة التي اعتادها. الأرض صارت أكثر جفافًا، والهواء أكثر حرارة، حتى وصلا إلى أطرافٍ بعيدة من ضواحي مراكش، حيث لا شيء يشبه ما تركه خلفه. توقفت السيارة أخيرًا. نزل عبد القادر أولًا، ثم أشار له دون كلام. “انزل.” فتح ياسين الباب ببطء، وما إن وضع قدمه على الأرض حتى شعر بشيءٍ غريب. الصمت هنا مختلف… ثقيل… كأنه يراقبك. نظر حوله أرض ممتدة سياج بسيط…

وبعيدًا، قطيع من الغنم يتحرّك ببطء. اقترب رجلٌ مسنّ، حيّا عبد القادر، ثم نظر إلى ياسين نظرة سريعة قبل أن ينصرف. قال ياسين بحدة: “ما هذا المكان؟” أجابه والده وهو يتقدّم: “مكان ستتعلّم فيه.” توقف ياسين لحظة، ثم قال بنفاد صبر: “وأتعلم ماذا تحديدًا؟” لم يُجب عبد القادر فورًا. أشار بيده إلى الجهة الأخرى، حيث كان بعض العمال يتحرّكون تحت الشمس الحارقة. “انظر جيدًا.” تبع ياسين الإشارة. رأى رجالًا يسيرون خلف القطيع لمسافات طويلة، يدفعونه بعصيّ طويلة، يركضون حين يتشتت، وينحنون حين يتعب أحده، ثم يعودون في صمت دون أن يتوقفوا.

آخرون كانوا يحملون الماء في أوعية ثقيلة، يتنقلون بها بين الحظائر، بينما كان أحدهم يحاول تثبيت خروفٍ متمرّد، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق. لم يكن هناك حديث… ولا راحة… ولا ظلّ كافٍ. فقط حركة مستمرة… وتعب لا ينتهي. قال عبد القادر بهدوء: “ستستيقظ قبل الفجر… تخرج مع القطيع… تمشي لساعات تحت الشمس… تراقب كل رأسٍ فيه… وإذا ضاع واحد… تتحمّل أنت ثمنه.” سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة: “ستحمل الماء بيدك وتنظف بيدك وتتعب بيدك…”

ثم اقترب خطوة واحدة، وقال بصوتٍ منخـ,ـفض لكن حاسم: “هنا… لا أحد يعمل عنك.” صمت لحظة، ثم قال الجملة التي أنهت كل شيء: “وهنا ستتعلّم… أن كل شيء له ثمن… وأن هناك من دفع عنك هذا الثمن لسنوات دون أن تشعر.” مرّت الساعات الأولى ببطءٍ قاتل. لم يُعطَ فرصة للراحة ولا حتى ليفهم ما يحدث حوله. في الظهيرة، وجد نفسه يسير خلف القطيع، يحاول أن يسيطر عليه، بينما الشمس فوق رأسه كأنها تضغط عليه بلا رحمة.

كانت الأرض حارّة والخطوات ثقيلة… والأنفاس تتسارع مع كل مترٍ يقطعه. تعثّر أكثر من مرة صـ,ـرخ غـ,ـاضبًا… تذمّر بصوتٍ مسموع ثم صمت، حين أدرك أن لا أحد سيجيبه. وفي كل مرة يخطئ… كان يرفع عينيه فيجد نظرة والده فقط. صامتة… ثابتة… كأنها تقول له إن هذا التعب ليس جديدًا… بل متأخرًا. ومع كل ساعة تمرّ… بدأ يشعر بشيءٍ لم يعتده من قبل. ليس مجرد إرهاق… بل ثقل… يشبه المسؤولية. مع غروب الشمس… جلس ياسين أخيرًا على الأرض، منهكًا، أنفاسه متقطعة، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق، كأن اليوم سحب منه كل ما كان يظنه قوة.

مرّ عبد القادر بجانبه، دون أن ينظر إليه، وقال بهدوء: “غدًا… تبدأ قبل الفجر.” رفع ياسين رأسه بصـ,ـعوبة، وقال بصوتٍ مبحوح: “أنا… لا أستطيع الاستمرار هكذا.” توقف عبد القادر هذه المرة. التفت إليه ببطء… ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال: “وأمك لم تكن تستطيع.” صمت. كأن الجملة سقطت فوقه بثقلٍ لم يتوقعه. اقترب خطوة، وأضاف بصوتٍ أهدأ، لكنه أشد وقعًا: “كانت تعود من عملها متعبة… مثلما أنت الآن، تقف في المطبخ لساعات… وتوفّر لك ما تحتاج،

وتدفع عنك أخـ,ـطاءك… وتغطي عليك حين تخطئ، وتنام وهي تفكّر كيف تحميك من نفسك.” سكت لحظة، ثم قال: “كانت تتحمّل… وحدها.” لم ينظر إليه ياسين… لكنه لم يعترض. في تلك الليلة… استلقى على فراشه بصـ,ـعوبة، وجـ,ـسده يئنّ من التعب، لكن النوم لم يأتِ. لم يكن الإرهاق وحده ما يمنعه بل صورة واحدة أمه. لم يرها كما كان يراها دائمًا… بل كما لم يحاول أن يراها من قبل. امرأة… تتعب وتصمت وتتحمّل دون أن تشتكي. شعر بشيءٍ يضغط على صدره.

ولأول مرة منذ سنوات… لم يكن غضبًا. وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة فقط… أنه لأول مرة في حياته لا يملك طريقًا للهروب. مرّت الأيام ببطء، لكنّها لم تمرّ دون أثر. تعلّم ياسين كيف يسير خلف القطيع، كيف يراقب حركته، وكيف يفهم صمته، لكنّه لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا بكل انتباهه. وفي أحد الأيام، حين اشتدّ الحرّ، جلس قليلًا ليستريح، ظنّ أنّ الأمور تحت السيطرة وأنّ القطيع لن يبتعد. لم يحتج الأمر أكثر من لحظة واحدة من الغفلة. ابتعد خروف قليلًا، ثم تبعته أخرى، ومع انشغاله لثوانٍ ظنّها عادية، كان القطيع قد اقترب من أرض وعرة لم ينتبه لها.

حين التفت أخيرًا، اندفع نحوهم مسرعًا، يصرخ ويحاول أن يلحق بهم، لكن الوقت كان قد تأخر، فقد انزلقت إحداها وسقطت أمام عينيه. توقف في مكانه، ينظر دون أن يتحرك، وقلبه يخفق بعنف، وكأن ما حدث أكبر من أن يستوعبه في تلك اللحظة. لم تكن مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة مباشرة لإهماله، لحظة واحدة كشفت كل شيء.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى